عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

435

اللباب في علوم الكتاب

أحدهما : هو رسل وجاز ذلك وإن كان نكرة ؛ لتخصّصه بالوصف . والثاني : أنه الضّمير المستتر في « منكم » وقوله : « رُسُلٌ مِنْكُمْ » زعم الفرّاء : أن في هذه الآية حذف مضاف ، أي : « ألم يأتكم رسل من أحدكم ، يعني : من جنس الإنس » قال : كقوله - تعالى - : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 22 ] ، وإنما يخرجان من الملح وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : 16 ] ، وإنما هو في بعضها ، فالتّقدير : يخرج من أحدهما ، وجعل القمر في إحداهنّ فحذف للعلم به ، وإنما احتاج الفرّاء إلى ذلك ؛ لأن الرّسل عنده مختصّة بالإنس ، يعني : أنه لم يعتقد أنّ اللّه أرسل للجنّ رسولا منهم ، بل إنما أرسل إليهم الإنس ، كما يروى في التّفسير ، وعليه قام الإجماع أن النّبي محمدا صلى اللّه عليه وسلم مرسل للإنس والجنّ ، وهذا هو الحقّ ، أعني : أن الجنّ لم يرسل منهم إلا بواسطة رسالة الإنس ؛ كما جاء في الحديث مع الجنّ الذين لمّا سمعوا القرآن ولّوا إلى قومهم منذرين ، ولكن لا يحتاج إلى تقدير مضاف ، وإن قلنا : إن رسل الجنّ من الإنس للمعنى الذي ذكرناه ، وهو أنه يطلق عليهم رسل مجازا ؛ لكونهم رسلا بواسطة رسالة الإنس ، وزعم قوم منهم الضّحّاك : أن اللّه أرسل للجنّ رسولا منهم يسمّى يوسف « 1 » . قال ابن الخطيب : ودعوى الإجماع في هذا بعيد ؛ لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف ، قال : ويمكن أن يحتجّ الضحّاك بقوله - تبارك وتعالى - : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا [ الأنعام : 92 ] . قال المفسّرون : والسّبب فيه أن استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك ، فوجب في حكم اللّه - تبارك وتعالى - أن يجعل رسل الإنس من الإنس ؛ ليكمل الاستئناس ، وهذا المعنى حاصل في الجنّ ، فوجب أن يكون رسل الجنّ من الجنّ ؛ لتزول النّفرة ويحصل كمال الاستئناس . وقال الكلبي : كانت الرّسل قبل أن يبعث محمّد صلى اللّه عليه وسلم يبعثون إلى الجنّ وإلى الإنس جميعا « 2 » . وقال مجاهد : الرّسل من الإنس والنّذر من الجنّ ، ثم قرأ [ قوله - تعالى - ] : وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ « 3 » [ الأحقاف : 29 ] ، وهم قوم يسمعون كلام الرّسل فيبلّغون الجنّ ما سمعوا ، وليس للجنّ رسل . ثم قال : « يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي » أي : يقرءون عليكم كتبي « وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا » وهو يوم القيامة ، فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف ، فذلك قالوا : شهدنا على أنفسنا .

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 160 . ( 2 ) انظر : « البحر المحيط » ( 4 / 226 ) . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 86 ) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم .